السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي
38
فقه الحدود والتعزيرات
على تأمين الحرّيّات وتحديدها ، بوضع القوانين وتأديب المتخلّفين ومجازاة المجرمين ، لأنّه لو لم يخف الفسّاق وأهل الخلاف من العقوبة ، لما بقي للنفوس والأعراض والأموال حرمة ، ولاختلّ أمر الحياة ، وشاعت الفوضى والهرج . وقد استقرّت سيرة العقلاء من كلّ نحلة وملّة على وضع القوانين وتحديد الحرّيّات وعقوبة المتخلّفين . والإسلام بشموله لجميع ما يحتاج إليه الإنسان في معاشه ومعاده ، قد اهتمّ بهذا الأمر اهتماماً تامّا . ثمّ إنّ موضوعات الأحكام التي ليست محرّمة بعنوانها الأوّلي شرعاً ، بل كانت ممنوعة من قبل الحكومة بوضع القوانين ، بناءً على متطلّبات المصلحة العامّة لحفظ النظام وصيانته ، كما هو الحال في القوانين المعمول بها في دوائر الجمارك والطرق والشوارع ، بل كلّ واحد من المقرّرات الحكوميّة ، حيث قد وضعت للخاطي عقوبات كالحبس وضبط الأموال والجلد وغيرها ، هل هي من باب التعزير المقابل للحدّ الذي له أحكام من العفو والتعليق وكونه بيد الحاكم ، أو هي عقوبة من نوع آخر ، أعني عدم كونها حدّاً ولا تعزيراً ؟ ربما يقال : إنّ القوانين الجزائيّة التي تكون ناظرة إلى مقتضيّات المصلحة العامّة هي من النوع الذي لا يقال له حدّ ولا تعزير ، وذلك لاعتبار أنّ الحدّ والتعزير هما عقوبتان منصوص عليهما في حقّ العاصي للأحكام الشرعيّة ، في حين أنّ أحكام المصلحة العامّة هي أحكام سلطويّة وحكوميّة ، وإنّ عقوباتها وإن كانت ثابتة إلّا أنّها ليست من نوع الحدّ أو التعزير ، بل هي قسم آخر من العقوبات ، ولا تشملها الأحكام المختصّة بهما ، بل لها أحكامها الخاصّة بها . ولكنّ الذي يقوى في النظر أنّها ليست قسماً آخر ، بل هي نفس التعزير ، لأنّ التعزير هو التأديب أو التأنيب أو العقوبة لمن يرتكب ما لا ينبغي له أن يرتكبه ، سواء كان عصياناً شرعيّاً أم أمراً حكوميّاً ، كان المؤدّب أباً يؤدّب ابنه أم مولىً يؤدّب عبده أو أمته أم والياً يؤدّب رعيّته ، حيث إنّها كلّها من باب واحد بمقتضى الأحاديث الواردة .